يوميات الحرب في لبنان/ اليوم الثالث و الثلاثون
كتبهاسامح كعوش ، في 14 أغسطس 2006 الساعة: 10:18 ص
اليوم الثالث و الثلاثون للحرب يمر ببطءٍ قاتلٍ، حاملاً الوعد بوقفٍ للأعمال الحربية التي أفرطت في قتل المدنيين و هدر دم أطفال لبنان. ربّما تتوقف الحرب غداً.
إبنتي تقول: " بابا، هلأ بييجي الشتا، و بيوقف القصف. بابا، راح فوت جيب الشمسية… الشتا بيغسل السما و بيروح الدخان الأسود… هيدول الإسرائيليي وسخين، و سّخوا السّما".
إبنتي الصغيرة تدرك أن هذه الطائرات و هذا الدخان استثناء، غيمة صيفٍ ربّما، و أنّ الغدَ يحمل وعدَ سلامٍ حقيقيٍّ ولن يتحققَ إلا برحيل الذئب الإسرائيلي الجاثم على صدر "ليلى" و كل أطفال العرب.
لليوم الثاني على التوالي يتواصل القصف على صيدا و إقليم التفاح و الزهراني. قبيل الفجر تقصف الطائرات "عين الحلوة" وتهتزُّ بنا الأرض و الأسرّةُ أراجيحُ طفولتنا الضائعة.
لليوم الثاني على التوالي يتواصل انتظارنا المرّ لما قد يكونُ غداَ. نتخيّرُ أيَّ الغرف أفضل للاحتماء بها من حمم القصف الحاقد و المجنون. ينام الأطفال في الغرفة الداخلية، وأقبع أنا حارساً لهم في الغرفة الأقرب إلى المدخل الرئيسي للمنزل. كأنني بذلك أؤكد قدراتي "السوبرمانية" كأبٍ على حماية أطفاله من غدر قَتَلةِ الأطفال.
يسألني طفلي الذي استيقظ من نومه مذعوراً عند دويّ قريب لقصفٍ استهدف مجدداً "عين الحلوة" :" بابا، إجو الإسرائيليي شي ؟"، فأجيبه بالنفي. أروي له و لإخوتهِ الخائفين قصة الطفل الفلسطيني الذي رمى المفرقعات على الجنود الإسرائيليين في عين الحلوة أثناء الاجتياح عام 82 ، ففروا مذعورين اعتقاداً منهم بأنهم يتعرضون لعملية فدائية ينفذها ضدهم رجال المقاومة.
" نمْ يا حبيبي، نمْ … ستشرق الشمس و سيكون الغد أجمل… نمْ، يا عمري فسأحميك من غدرهم بأهداب عينيّ، و لتخترقْ قذائفهم جسدي أولاً و لا تصيبكَ… نمْ يا طفلي الغالي".
سيأتي غدٌ أجمل لأطفالي، لأطفال لبنان و العراق و فلسطين.
سيأتي الغدُ لأشتريَ لابنتي لعبتها الصغيرة مع سريرٍ لنومها الهادئ المفعم بالأحلام … سيأتي النومُ غداً.
ظهيرة اليوم الثالث و الثلاثين للحرب، أرافق صديقي " شوقي رحَال " إلى قرية " البرجين " في إقليم الخروب كي نحضر عروسه. لقد اختار أن يتزوج اليوم ، فما أعظم هذا الشعب ! و ما أجملَ صبرهِ على الألم و المعاناة!، ما أعظم إرادة الحياة لديه مقابل شهية عدوه إلى القتل و الانتقام ليس من البشر فحسب، بل من الحجر و الشجر!!!.
ننطلق عبر الطريق الساحلي من صيدا ، مروراً بجسر الأولي و الجسور الأخرى المدمرة، متخذين مسالك جانبية ترابية للعبور. لا أحد في الطريق سوانا، سيارة العريس أقودها و معي العريس و قريبٌ له، و سيارة أخ العريس تتبعنا و فيها أمه و عمتهُ و قريبٌ آخر.
الجسور المقصوفة انلقت أحشاؤها الإسمنتية، و قضبان الحديد تخرج منها كأنها بقايا روحٍ أفزعها القصف ، فولّت هاربةً في كلّ اتجاه.
قلةٌ من أهل قرية" البرجين" اجتمعت لملاقاتنا و الترحيب بنا، و جرى العرس على عجل، بعض رجال يتحادثون ،ولا حديث سوى حديث الحرب، و الصمود الأسطوري للمقاومة. نسوةٌ يزغردنَ بخجلٍ، و أطفال يلهون أمام بيت العروس . يتقدم طفلٌ من العروس ليبارك لها، هو طفلٌ أشقر ذو عينينِ خضراوين، يرفض أن يقبل منها قطعة سكاكر، لكنه يهمس في أذنها:" أنا مات بيي بالنبطية، بيي شهيد"، العروس يوم عرسها تبكي، لكنها تغالب الدمعة فلا تسمح لها بالانحدار،إنها المفخرة و النصر… ولا وقت للبكاء.
أقود في طريق عودتنا إلى صيدا بسرعةٍ جنونيةٍ، فقد وصلتني أخبار قصفٍ يستهدف طريق عودتنا قرب قرية "جون" في إقليم الخروب أيضاً.
لا يشعر بالخوف من هم معي في السيارة لجرأتي التي أظهرتها منذ انطلاقنا من صيدا، و أحاول أن أخفي عنهم شعوري بالخوف، و ترجمة هذا الشعور سرعةً جنونيةً للسيارة تسابق القذائف التي قد تنهمر علينا في أية لحظة. قد علّمتني حروب لبنان أن العناية الإلهية هي التي تقرر متى تستعيد وديعتها منّا متى شاءت هي لا متى شئنا نحنُ، ولو شئنا.
العروس معنا تفخر بإنجازها البطولي، فقد ألحّت على عريسها أن يتزوّجا خلال الحرب، غير عابئينِ بجرائم الإبادة التي ترتكبها إسرائيل بحق شعب لبنان و أطفاله الملائكة الأبرياء. و ربّما انتقاما من إسرائيل، و إمعاناً في تحدّيها ستنجب طفلاً غداً، و قد تسميه " وعد " أو " رعد " أو " حسن ".
نعبر شوارع صيدا التي تغص بالنازحين من قرى الجنوب، مطلقين العنان لبوق سيارتنا منتصرين لرغبة الحياة ضد الموت، ضدّ هذه المجزرة التي يريد العدوّ أن يسوقنا إليها كقطيع لا يحق له حتى الصراخ.
عرسٌ هنا، شهادةٌ هناك. و ما بينهما نهر دمعٍ ينساب من جرح هذا الوطن، على امتداد الوطن.و لسوف يبقى شعب هذه الأرض في هذه الأرض كنبتها و شجرها و صخرها، و سيرحل المحتل الغاصب، و سننتصر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ما يشبه ُ وطنا ً / ذاكرة لغد | السمات:ما يشبه ُ وطنا ً / ذاكرة لغد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 15th, 2006 at 15 أغسطس 2006 1:57 ص
أخــى / سامـــح كعـــــــــــوش
صدقنى بالله ، والله أبكانى ما رويته وألمنى كثيرآ ولا أجد ما أقولة لك
بإذن اللـــه النصـــــر قريب جدآ
حفظكــــم اللـــــــــــه وسدد خطاكــــم ونصـــركم بإذن اللـــــــــــه .
دمت أخى بكل خير فى ظل أسرتك الكريمة .
أغسطس 17th, 2006 at 17 أغسطس 2006 9:18 ص
——————————————————————————–
حين( نواجه) الانتصار . في موتنا الإجباري
في ذلنا الاختياري ، ولا نفرح،لا نعترف
لا شيء .
حين يعترف العدو بالهزيمة
ويعترف رُعاته بالنصر!!
ونحن ننتظر بلا هوادة
صامتون في بلاهة
حين يكون الصراع مسمى
عربي اسرائيلي
وتفرح إيران بالانتصار
ونحن في نفس النقطة قابعون !!
حين كل هذا
يكون هناك خطأ واضح في القصيدة!!
وخطأ أكبر في مفهوم الحقيقة.
__________________________
أغسطس 20th, 2006 at 20 أغسطس 2006 4:19 م
حلمت أمس أنني كنت أبكي في حضن جدي ..أبكي بشدة وعندما استيقظت لم أتذكر ما كان سبب بكائي فقط كنت بحاجة لشرب كوب من الماء….قلت لعله خير وفتحت التلفاز لأجد 18 جنديا اسرائيليا انضموا الى لائحة السائحين في “وادي صقر”…
ابكوا كثيرا في أحلامكم..لعلها تُفرج *_^
فرحت كثيرا هذا اليوم
10/08/06
شكرا لك سامح
أغسطس 20th, 2006 at 20 أغسطس 2006 4:20 م
دون الحياة والموت هنا ياسامح.. فقومنا لا يعلمون..!
أحبكم.. لكني آسفة لأني لا استطيع لكم شيئا..
أحبكم.. لأنكم أقوياء.. وصامدون.. وتبغون العزة والنصر على الذل والخنوع..
انتم مختلفون ياسامح.. لستم مثلنا.. ولن تكونوا..
ليتنا ولدنا هناك.. لنعرف معنى الكبرياء جيدًا..
أغسطس 20th, 2006 at 20 أغسطس 2006 4:21 م
لا ادري لمادا يهزني نص كهذا و يشرع الأبواب لمناهل الدموع
بينما لم تعد تهزني نشرات الأخبار و صور القتلى على التلفزيون
ربما تعودت على رائحة الموت المنبثقة من الشاشة و تفاجئني تلك المنبثقة من السطور.
مهما يكن فانتم تواجهون الموت كل يوم لكنكم تمدوننا بخبز الإنسانية الذي صرنا نفتقده
فمن يعزي من
أغسطس 20th, 2006 at 20 أغسطس 2006 4:22 م
سامح الاعز:
الحزن.. التعب.. الصمود
لا يليق به الا كلماتك ليُتوَج بالنصر
أغسطس 21st, 2006 at 21 أغسطس 2006 3:57 م
المتميز حرفاً .. وفكراً / سامح كعوش
لقد أجدت في نزفك
وأبدعت في استنزاف
\
\
\
متابعتنا وقراءتنا لك
سلم نبضك
وسلم فكرك
دمت بخير
أغسطس 21st, 2006 at 21 أغسطس 2006 3:59 م
اديبنا الراقي
صاحب القلم الصاخب
والاحساس العذب المتدفق
لكلمات واقع نعيشه حقا
والما نزرفه من اعيننا وجعا
حروب
ودمار
وخراب
اتلفت الروح
واعمت العين الما وحزنا
لكن هذا لن يدوم ابدا
وسيعود النور للاشراق من جديد
مبدع
متألق
راقي
جميل الاحساس
نابض الجمال انت
لك حدائق الورد ونبض الود
أغسطس 21st, 2006 at 21 أغسطس 2006 8:58 م
اديبنا الكبير
لم أتمالك نفسي لانتظر حتى أقرا..
قبل القراءه فرحت حتى الرفرفه بوجود اسمك هنا…
بالتأكيد سأعود لأعلي/لقراءتك..
مبتهج بك..
أغسطس 21st, 2006 at 21 أغسطس 2006 9:01 م
لستُ هنا ، لأقولَ شيئاً .
فقط وددتُ أن أكونَ مع الجنوبْ .
.
.
قرأناكَ ، يا سامَح ، .. وجعاً / وجعاً / وجعاً .
أغسطس 23rd, 2006 at 23 أغسطس 2006 4:36 م
مع تحاياي
سبتمبر 4th, 2006 at 4 سبتمبر 2006 6:07 م
دائما ما كنا نقول ان الدم لهو منتصر على السيف واليوم تحقق الامل…..هذه الحرب ما كانت لتصل اهدافها بالموت والقتل والجرائم بل زادتنا ايمانا بارضنا وحبا بوطننا ودمت تكتب لانتصاراتنا ….برعت في نقل الصورة كما هي
سبتمبر 9th, 2006 at 9 سبتمبر 2006 1:17 م
تحية ود وتقدير،
أدعوك للمساهمة في النقاش الذي أطرحه بمدونتي من خلال مقال بعنوان: “علاقة الأميرة ديانا بالرئيس رفيق الحريري؟