ناجي العلي شاهداً وشهيداً
كتبهاسامح كعوش ، في 31 أغسطس 2008 الساعة: 09:31 ص


يستفزنا السؤال عن رحيل المبدعين الكبار أو عدم رحيلهم، عن موتهم الذي أنهى آخر فسحة حياة لهم، أو حياتهم التي خطتها أناملهم بالموت، مع الذكرى الحادية والعشرين لرحيل فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، والتي تصادف التاسع والعشرين من شهر أغسطس/ آب.
وهل أسكتته فعلاً طلقات الغدر التي أصابته تحت عينه اليمنى، فسقط في غيبوبته، التي أطلقها عليه شاب مجهول في الثاني والعشرين من يوليو/ تموز 1987.
“المبدعون لا يرحلون”، مقولة تؤكدها الذاكرة الشعبية التي تحفظ مقولة “اللي خلّف ما مات”، فكيف إذا كان هذا الذي “خلّف” مبدعاً كبيراً من كبار الفنانين العرب المبدعين، والرواد في فن الكاريكاتير، ومناضلاً خطّ بدمه ظلاً شفيفاً بالأحمر لخطوط الحبر السوداء التي ميّزت رسوماته الكاريكاتورية عن غيرها من الرسوم.
فكأن هذا العملاق في حياته، كما في موته، كان يخط بالأسود شريط حداد على الذات والآخرين، يبدأ حياته بموتهم، وينتصر بضعفهم وهزيمتهم، فيبدأ الاحتفال بمولوده البكر والوحيد، “حنظلة” في مناسبة الهزيمة يوم الخامس من حزيران/ يونيو عام ،1967 ويعلنه على الملأ أيقونة خلاص وأمل، “تحفظ روحه من الانزلاق، وهي نقطة العرق التي تلسع جبينه إذا ما جبن أو تراجع”.
فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي رسم “حنظلة” القضية الفلسطينية بتعقيداتها ومرارة الخوض فيها، والعيش لأجلها، والنضال في سبيلها، “حنظلة” الرسالة الإبداعية المنجزة في فن كاريكاتير تجاوز خطوطاً حمراً في التعبير، وصاحبه يعلم تمام العلم والمعرفة، أن هذا الطريق مسارٌ بين ألغام ومسير على درب جلجلة وآلام، وأن هذا الطريق خطو الشهادة إلى دمه، لتعلن براءته من خطط التطبيع الثقافي والسياسي، وتعلن انتماءه بالدم، إلى موقف الطفل “حنظلة”، والمرأة “فاطمة” في رسوماته، قبل عشرين عاماً، كأنها الآن.
وكأن هذا الكبير كان يحاول انتصاراً أخيراً بدمه ورسوم حبره، بمواقفه الثورية المتمردة على الواقع الهزيل المنهزم، وبأقواله المعروفة والمحفورة في جبين الرائين في شكل آخر للعلاقة “بالآخر” الغريب، قال ناجي العلي: “اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حالو ميت”، وقال: “هكذا أفهم الصراع، أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب”.
نعم، حنظلة الذي رسمه فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي كان هو نفسه ناجي طفلاً من مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان، لاجئاً عن وطنه فلسطين، متجسداً في شخصية حنظلة الطفل الشاهد والشهيد، واقفاً بظهره العاري، أداره لمن هم في المشهد الحقيقي خارج اللوحة، أنجبه ناجي العلي طفلاً رجلاً، في العاشرة من العمر، قال عنه الفنان ناجي العلي يوم سئل عن القيمة الرمزية لحضوره في الرسم الكاريكاتيري الخاص به: “ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائماً في العاشرة، ففي تلك السن غادر فلسطين، وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما فقدان الوطن استثناء”.
نعم حنظلة الذي كان ناجي العلي يرى أنه وقف مكتوف الأيدي بعد العام ،1973 ضدّ ما كانت المنطقة تشهده من تحول نحو التطبيع والتطويع، كما كان ناجي يصرّح، دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية، فهو ثائر وليس مطبّعاً مع “إسرائيل” ولا يمكن أن يكون يوماً، وعندما سئل ناجي عن موعد رؤية وجه حنظلة، أجاب: “عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته”.
يا لهذا الفنان الطفل حين يكبر بقضيته، ويتوحد بها ليصير علماً من أعلامها، ورمزاً في مسارها ومسيرتها، فيكون فقد الوطن فقداً لصيرورة طبيعية للحياة البشرية، يحتلها الغياب عن الزمن كما الغياب عن الوطن، وفلسطين صورة المرأة الفلسطينية التي أسماها فاطمة في العديد من لوحات كاريكاتيره الساخر حدّ البكاء، باكية على شهيد، يشبه زوجاً أو ابناً أو أباً أو أخاً، واقفةً ضد المجزرة، لا تهادن ولا تساوم على المسلّمات، يعكس رؤيتها للصراع بعبارة واحدة في كل رسم كاريكاتيري لا أكثر، عبارة مختزلة تختصر مليون مقولة في الفكر والفلسفة والتاريخ وعلم الثورات والاجتماع وغيرها، بعبارة ترتدي شكل الموروث الشعبي الفلسطيني باللهجة المحكية لتكون أقرب ما تكون إلى الناس الذي قال ناجي العلي مرارا وتكراراً إنه يكتب لهم، هم الذين “تحت” كما كان يقول.
“فاطمة” المرأة الأم والأخت، المرأة المرآة بحجم وطن، تحفز زوجها وأحياناً ابنها في اللوحة على الصمود، حين يتعب من النزال، تقوي عزيمته بعبارات الرؤى البعيدة، استشراف مستقبل الصراع، مواجهة التحدي كما كان ناجي العلي يقول: “أن نكون أو لا نكون، التحدي قائم والمسؤولية تاريخية”.
“فاطمة” التي حين زوجها الكادح النحيل ذو الشارب، كبير القدمين واليدين بما يوحي بخشونة حياته وعمله، يقول في اللوحة الكاريكاتيرية لناجي: “سامحني يا رب، بدي أبيع حالي لأي نظام عشان أطعمي ولادي”، ترد عليه بقولها: “الله لا يسامحك على هالعملة”.
وبين شخصيات “حنظلة” و”فاطمة” و”زوجها”، و”الجندي “الإسرائيلي”” و”المتآمر الفلسطيني أو العربي”، تشظى الفنان الشهيد ناجي العلي، بين انتماء إلى الوطن، وعداء لأعداء هذا الوطن، وانفجر حمماً في وجه أدعياء الانتماء، فكشف مأزقهم قبل أن يقعوا فيه، ورسم لوحات النقد السياسي التي قيل إنها كانت سبباً في اغتياله الآثم، ففي أحد رسوماته الكاريكاتيرية التي رسمها في أوائل ثمانينات القرن الماضي، صوّر ناجي العلي شخصية المرأة الفلسطينية “فاطمة” ينساب الدمع من عينها، بينما يخاطبها زوجها الذي يحمل بيده صحيفة معنونةً بخبر عن اقتتال الأخوة، قائلاً لها: “حاجة تقولي الدم ما بيصير ميه، صار زفت”
بمعنى أن كل رسومات الفنان ناجي العلي حملت في مضمونها استشرافاً لما سيحصل، وفهماً دقيقاً لمجريات الصراع وتحولات المواقف عند أطرافه، في كشف إبداعي جمالي فني عن مكنونات وخفايا المكتوب مما لا يمكن أن يقرأه إلا من يتقن فك شيفرة اللغة باختزالها في صورة وعبارة قصيرة، بدلالات بعيدة بعيدة، وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى أحد رسوم كاريكاتير ناجي العلي، مصوراً فيه بنتاً لبنانية مبتورة اليد، ملقاة عند طرف جسر مقصوف، أما يدها المبتورة فمرميةٌ عند الطرف الآخر من الجسر ممسكةً بالعلم اللبناني مرفوعاً، كأن الفنان الشاهد والشهيد، يقرأ في الثمانينات ويصوّر ما يراه بعينه الكاشفة، ما سيجري من عدوان على لبنان وقصف “إسرائيلي” لجسوره وبناه التحتية، قبل عشرين عاماً من الزمن.
ولا يمكن لناقد أو قارئ في منجز الفنان ناجي العلي الفني إلا أن يشير إلى الفلسفة الكامنة في مجموع رسومات ناجي العلي الشهيد الشاهد، التي مثّلت جزءاً مكتمل الأجزاء من جدارية الدم الفلسطيني التي شارك برسمها لا بقلمه فقط بل بدمه، مستعيداً في لحظة اغتياله ذاك المشهد المتكرر الذي يصور في لوحاته الإنسان الفلسطيني مطارداً ومقتولاً ومتهماً، كما في عبارة علت أحد رسومه “كلّ فلسطيني متهم حتى تثبت إدانته”، وهو المطلوب “wanted” دائماً كما الفنان نفسه، وهو الشهيد محمولاً على الأكتاف، ناهضاً من نعشه راسماً علامة النصر بأصابعه، أو خاطاً على الجدار عبارة “ثورة حتى النصر”، أو عازفاً بدمه نوتة موسيقية تقطر دماً، مختتماً حكاية حياته الحقيقية بطلقة تحت العين اليمنى، وحياته المجازية في الفن والإبداع برسم كاريكاتيري يظهر فيه الفلسطيني الأب حاملاً طفله الشهيد المضرج بالدم بين يديه، خارجاً من صالة عرض مسرحي، وعلى الشاشة خلفه عبارة “النهاية The End”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابات نقدية و دراسات | السمات:كتابات نقدية و دراسات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 18th, 2008 at 18 سبتمبر 2008 10:01 ص
العزيز سامح…
مررت لإلقاء التحية والاطمئنان.
دمت بحفظ الله.
أكتوبر 7th, 2008 at 7 أكتوبر 2008 8:14 ص
وعليكم السلام
أتمنى التوفيق لهذا الموقع القيم جدا
وفعلا محتوى الموقع مفيد جدا واستفد منه الكثير
http://www.fr7ty.com/vb
http://www.fr7ty.com