وداعا محمود درويش

كتبهاسامح كعوش ، في 14 أغسطس 2008 الساعة: 06:00 ص

darwee

درويش الشعراء وليُّهم

 

 

سامح كعوش

 

محمود درويش وكفى، ولتكن مسافة بين موتين، بين شاعر وشاعر، ومبدع ومبدع، وإنسان وإنسان، ولتكن لنا مسافة اتساع الشعر للحلم بالحياة، واستحقاق الفرح في زمن الموت اللامتناهي.

محمود يا درويش الشعراء، ووليهم، يا مطر فلسطين على صحرائنا لتخضرّ بالشعر أو لتنطفئ نجمتها الأخيرة، وتوقنا لفلسطين لتتحرر بأحمر الشوق الغالب على قوانين الحدود وقيودها، وينجرح بالسلك الشائك يحاصرك بدمعتين ومليون مفردة لا يكتبها إلا قلمك.

لماذا تركتنا وحيدين كحصان أبيك يا محمود، يا سليل أبيك ولا أحد سواه، يا يتيم الأمة في اغترابك وغيابها إلا عن قليل أمل وكثير ألم، ولماذا تتبعت أثر فراشتك لتحترق بنارها ونور الشعر؟، أيها الحاضر اليوم وغداً كما أنت، وكما كنت، أيها الشاعر حقاً في شكل شعرك الواقف كالرصاصة في لحم القصيدة، تجرحها لتشبه فلسطين، وتكونها.

ها أنت الآن أكثر وضوحاً وصراحةً من قبل، ها أنت الساطع تماماً كهذا الصباح الوحيد، في عتمة القلب، وقلة حيلة الشعراء، في قولك السؤال:

ما حيلة الشعراء يا أبتي

غير الذي أورثت أقداري

إن يشرب البؤساء من قدحي

لن يسألوا

من أي كرمٍ خمري الجاري.

نعم لا يسأل الذين يقرؤونك من أي كرم أتيت بعنب شعرك، لكنهم يعلمون تماماً أنك ابن طولكرم، ونابلس، وجنين، والقدس، وكل فلسطين، وطول هذا الكرم امتداد لمسيرة الشعب العربي محتفياً بحضورك الساحر، المشاغب، الراغب، المثير للدهشة حدّ الانهمار.

ولأنك كتبت بالنار، يا فينيق فلسطين، لم يعطوك حيزاً في نوبل كرمهم، ولو أنك جحدت فضل النار لكرّموكَ وعظّموك وبكوْك طويلاً، كما نبكيك الآن نحن الأيتام واللئام من الشعراء العرب الحاسدين والمحبين لك، أيها الرائع أنت، والجميل أنت، والنبيل أنت، ولا يكفيك انهمار الدمع ولا سخاء الكلمات العابرة.

نعم وأنت القائل والكاتب والماثل كأنك الآن:

لملمتُ جرحكَ يا أبي

برموش أشعاري

فبكت عيون الناس

من حزني، ومن ناري

وغمست خبزي في التراب

وما التمستُ شهامة الجار.

ها أنت الآن تغمس جرحك في جراحنا لتنكأها، لتغسلها بملح بحرك البعيد، حبرك على جدران المدن الهاربة منك وأنت تعدّها، واحدةً فواحدةً فواحدةً كأنها تتزوجها، تعاشرها، تعاقرها خمرة شعرك ونبيذ دمك الفلسطيني المسفوك يومياً كأنه فرض صلاة.

ها أنت الآن تغمس خبزك في الموت، صديقك منذ سنوات تنبئنا بقربه منك حدّ التوحّد بك، كأنك كنت تعلمه وتتعلم منه، قبل قليل قلت: أعلم أن الوحش اقوى مني في صراع الطائرة مع الطائر، ولكنني أدمنتُ، ربما أكثر مما ينبغي، بطولة المجاز، نعم أيها الجميل أدمنت وأدمنّا هذا النوع من البطولات، حتى موتك الآن يأتي مجازاً، كأنه غيبوبة قليلة، لا تطول، أو هو الذهاب في رحلة المسافر ننتظر عودته القريبة، أو هجرة الطائر جنوباً ليعود مع الربيع، لتعود إلينا وتبقى، وتبقى، وتبقى.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : وجوه تشبه أقمارا ً / إشراقات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “وداعا محمود درويش”

  1. لا أريد الموت ، ما دامت على الأرض قصائد

    و عيون لا تنام !

    فإذا جاء ، و لن يأتي بإذن ،لن أعاند

    بل سأرجوه لكي أرثي الختام

    أنا أمضي قبل ميعادي …مبكر

    عمرنا أضيق منا

    عمرنا أصغر ..أصغر

    هل صحيح يُثمر الموت حياة

    هل سأُثمر

    دام هناك أمثالك سامح

    سيبقى الدرويش حيّا ً في قلب و ذاكرة وطن

    و ذاكرة الأوطان لا تموت …لا تموت

  2. عزيزي سامح

    رحيل الامة الشعرية محمود درويش هو فجيعة حلت بالامة العربية وخسارة كبيرة لكل العرب

    لكن نجمه سيظل خافقا ساطعا

    رحل الجسد لكن الروح يقضى تملأنا حبا وسلاما…

    مغ تحياتي

  3. سمر العاشقة

    عوّدتني على هذا المرور الجميل

    أهلا بقلبك يكتب في الموت ما يجعله قابلاً للحياة

    .

    .

    .

    كثير تقديري



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر